logo
IMG_7660

حب على الطريقة الفلسطينية


 فرضت السلطات الإسرائيلية الهوية الزرقاء على المقدسيين من سكان القدس الشرقية بعد احتلالها إلى جانب الضفة الغربية وغزة عام 1967، والتي تعطي المقدسيين الحق بالإقامة الدائمة في الأراضي الواقعة تحت السيطرة الإسرائيلية وليس المواطنة الكاملة، مما يعرضهم لفقدان هذه المكانة القانونية في حالة المكوث خارج البلاد لمدة تزيد عن سبع سنوات بحسب تقرير نشرته مؤسسة سانت ايف/ المركز الكاثوليكي لحقوق الإنسان في القدس.

    أسيل عيد

IMG_7660

نورا أبو ماضي وخالد عرامين وابنتهما جوري

بين ترانيم عوده الخشبي وأوتار صوتها المفعمة بالحياة، ولد الحب الأجمل والأصعب. تمتزج ألحانه بصوتها ليعيدا إلى الجمهور سعادتهما المسلوبة ولو لدقائق معدودة. نورا أبو ماضي من حملة الهوية الفلسطينية، وخالد عرامين حامل الهوية المقدسية، وبين أماكن إقامتهما المختلفة يقع جدار بطول 770 كم يحرمها زيارة منزله ويحرمه الإقامة بجانبها.

وككل شاب وشابة، قررت نورا الزواج من خالد، وتدارسا الامر لكن طريقهما لم تكن مفروشة بالورود كما يشرح خالد “هناك عدة مراحل مررنا بها، في كل مرحلة واجهتنا مشكلة. أولها أنني لم أكن قادرا على أن أقل خطيبتي لزيارة أهلي في حي راس العمود في القدس، وكان الشعور مؤلماً ومزعجاً” ويضيف: “رغم علمي بكل تلك المشاكل فأنا لم أفكر بما سنواجه، لأن همي الأول والأخير كان الارتباط بنورا”.

ومنذ بناء السلطات الإسرائيلية لجدار الفصل عام 2002، تم اقصاء 55000 فلسطيني عن القدس، الى احياء تتبع لحدود بلدية القدس ولكنها الآن خارج الجدار، كما يشير تقرير لمؤسسة “سانت ايف”. وتمنع السلطات الإسرائيلية الفلسطينيين من حملة الهوية الفلسطينية من الدخول للأراضي التي تقع تحت سيطرتها، ومن ضمنها القدس، إلا بتصريح لمدة محددة، ويشمل هذا القرار حملة الهوية الفلسطينية المتزوجين من مقدسيين، الامر الذي لا يترك خياراً امام هذه العائلات الا العيش في احياء تقع ضمن نفوذ بلدية القدس لكنها اقرب الى مناطق السلطة الفلسطينية، اي خارج الجدار، والسبب في كل هذا الحفاظ على الهوية المقدسية وحق الاقامة في المدينة.

تقول نورا “أول مرة زرت فيها منزل خالد كانت بعد الخطبة وكانت تلك ايضاً المرة الأولى التي أزور فيها القدس”، وتضيف “أتمنى أن أسكن في القدس، هذا الحلم يسلبه الاحتلال منا تدريجيا، حتى أننا لم نعد نحلم”. حلم نورا هذا يقابله حلم لخالد “هناك مناطق جميلة جدا في ضواحي رام الله كقرية جفنا وقرية بيرزيت أتمنى أن أسكن فيها وهو أحد احلامي، ولكن هذا لن يتحقق لان علي ان اقيم في منطقة تابعة لبلدية القدس، والحلم الأهم هو أن نعيش بأمان وحرية وأن نربي ابنتنا بأفضل حال بعيدا عن مشاكل هويات القدس والضفة”.

اختيار مكان السكن كان المرحلة الأصعب بالنسبة لنورا وخالد، فهو يملك منزلاً في حي راس العمود في القدس، ولكن السلطات الإسرائيلية لا تسمح لزوجته نورا التي تحمل الهوية الفلسطينية بالدخول الى المدينة المقدسة، مما اضطرهما لاستئجار منزل في قرية كفر عقب الواقعة بين رام الله والقدس وتتبع ادارياً لبلدية القدس. وهي منطقة يلفها جدار الفصل، وتنشتر فيها البنايات الشاهقة في مشهد يقرب الى العشوائية، بينما تنتشر في شوارعها اكوام القمامة نتيجة اهمال بلدية القدس لها، وحالها كحال كثير من المناطق التابعة لبلدية القدس الواقعة خارج جدار الفصل التي باتت مهمشة خدماتيا وأمنيا، فلا السلطات الاسرائيلية تقدم فيها الخدمات، ولا السلطة الفلسطينية التي لا تملك الحق بالعمل في تلك المناطق حسب اتفاقية أوسلو الموقعة بين السلطات الإسرائيلية ومنظمة التحرير عام 1993.

   IMG_7512   IMG_7514   IMG_0804   IMG_7532   IMG_7541   IMG_7526    IMG_7525    IMG_7508   IMG_7543

تقول نورا “إن علاقتنا أقوى من هذه الإشكاليات التي يسعى الاحتلال لمنع مثل هذا الزواج وفصلنا عن الشق الآخر من الشعب”.

ويشير تقرير مؤسسة “سانت ايف” الى أن منح السلطات الإسرائيلية الإقامة الدائمة للمقدسيين تختلف عن الدول الأخرى التي تمنح نسبيا نوعا خاصا من الإقامة للمهاجرين إلى أراضيهم، فحالة الفلسطينيين في القدس تنفرد بكونهم ليسوا مهاجرين أساسا ولذلك فمعظمهم لا يملك جنسية أخرى.

ويوضح التقرير ان ما بات يعرف بعملية جمع شمل العائلات قد مرت في مراحل متعددة قبل أن تجمد المحكمة الإسرائيلية تلك الطلبات تماما عام 2002، وبذلك فإن العديد من الفلسطينيين يقطنون مع أزواجهم بشكل غير قانوني في القدس، وبخوف دائم من أن تكتشف السلطات الإسرائيلية وجودهم فيتم نفيهم إلى الضفة الغربية. ويلجأ كثيرون إلى هذا الخيار لوجود خيارات محدودة للعيش بشكل قانوني، فإما التضحية بالهوية المقدسية في سبيل العائلة أو إيجاد مكان سكن محايد في المناطق التابعة لبلدية القدس والواقعة خارج جدار الفصل أو العيش بعائلة مشتتة يجتمع أفرادها في العطل الرسمية.

وفيما يخص لم الشمل يستنكر خالد المصطلح ويقول “مصطلح لم الشمل شيء غريب ويأتي بالسليقة، لماذا يجب علي أن أنتظر الاحتلال ليوافق أو لا يوافق على أن أكون مع زوجتي!”

| Create infographics

وبحسب تقرير نشره مركز المعلومات الإسرائيلي لحقوق الإنسان في الأراضي المحتلة “بيتسلم” عام 2011 فإن “هذه المواقف الإسرائيلية تنبع من اعتبارات سياسية تهدف إلى تغيير المبنى الديموغرافي في الاراضي المحتلة، بواسطة وضع سد أمام قدوم وعودة الأزواج الفلسطينيين إلى الأراضي المحتلة وتشجيع هجرة العائلات الفلسطينية المفرقة الى دول اخرى. فيما تنص الرواية الإسرائيلية أن تجميد لم الشمل لمواطني الضفة الغربية وغزة أصدر لأسباب أمنية”.

وفي ظل فقدان الآمان، حرية الحركة وحرية اختيار مكان السكن التي يواجهانها خالد ونورا ولدت طفلتهما “جوري”، تلك الوردة المولودة والغير موجودة قانونيا، حيث لم تصادق الداخلية الإسرائيلية على ضم جوري في هوية والدها المقدسية أو تأمينه رغم مرور ثلاثة أشهر على ولادتها.

وتؤكد مؤسسة سانت ايف أن الأطفال الفلسطينيين الغير معترف بهم لدى الدوائر الرسمية يحرمهم من حقوقهم الاجتماعية كالتأمين الصحي والتعليم. وبما أن مؤسسات السلطة الفلسطينية ترفض تسجيل هؤلاء الأطفال للحفاظ على حقوقهم في الحصول على الإقامة المقدسية يبقى هؤلاء الأطفال بدون جنسية أبداً. يقول خالد “أتمنى وأحلم أن أربي ابنتي بعيدا عن كل هذه الصعوبات، وأنا كأب لا أريد لإبنتي أن تتعرض للاضطهاد الذي أتعرض له أنا.”