logo
rawabi2_CHECK

روابي: رداء مدني “فلسطيني” مختلف


على رابية بين رام الله ونابلس وسط الضفة الغربية، تسير اعمال البناء دون توقف في مشروع مدينة فلسطينية “حديثة”،  يتم  تخطيطها وبناؤها بتمويل قطري. “روابي” الاسم الذي اطلقته شركة “بيتي للاستثمار العقاري” المتعددة الجنسية، على هذه المدينةالتي وصفها كثيرون بأنها “لا تشبه الفلسطينيين”، فالجدل القائم في الشارع الفلسطيني والمتزايد يوماً بعد يوم يثير علامات استفهام لا تنتهي في ظل ما تتناقله وسائل الاعلام عن العلاقات بين القائمين على المدينة وشخصيات من الاحتلال الاسرائيلي!

ايليا غربية

عملت السلطة الوطنية الفلسطينية منذ عام 2011 على تشجيع مشروعات في الضفة الغربية ودعمها ضمن خطة بناء الدولة الفلسطينية، و”روابي” هي واحدة من تلك المشاريع بتكلفة  بلغت  أكثر من بليون دولار أمريكيّ، لتكون “روابي” ليس فقط أكبر مشروع بناء، بل وأكبر إستثمار أجنبي خاص تشهده الأراضي الفلسطينية حتى الان

Ein Spaziergang durch das "grüne Rückgrat" soll die Einwohner Rawabis ins Stadtzentrum führen

نموذج بناء لمدينة روابي

ستتسع المدينة الى حوالي اربعين الف ساكن فلسطيني، وتوفر نحو خمسة الآف فرصة عمل ثابتة. فهي تستهدف أسر الطبقة الوسطى. وتشترط السلطة الوطنية الفلسطينية على مشتري البيوت فيها ان يكونوا من حملة الهوية الفلسطينية وان يحصلوا على موافقة اذرع السلطة المختلفة للإقامة في الأراضي الفلسطينية، كما تشير منال زريق مديرة شركة “مسار” العالمية، والشريك الاستراتيجي في شركة “بيتي” للاستثمار العقاري المنفذة للمشروع.

مؤكدة ان “مساكن الحيين الأول والثاني ومجموعها ستمئة شقة قد بيعت” علما بان عدد طلبات الشراء المسجلة عبر الموقع الالكتروني للشركة قد وصل الى سبعة الاف طلب

ولعل ما يجتذب المشترين للمساكن في هذه المدينة ابنيتها المتألقة متوسطة الارتفاع وحدائقها العامة ومقاهيها ومناطق التسوّق والمواقع السكنية والتجارية المميزة، إضافة الى مراعاة مخططاتها لتوفير منطقة للمشاريع والأعمال التجارية ومركز ثقافي ومدرّج روماني ومدارس ومساجد وكنائس ومستشفيات. اضافة الى موقعها حيث انها على بعد تسعة كيلومترات شمال مدينة رام الله، واربعة كيلومترات عن بلدة بيرزيت، وتفصلها مسافة خمسة وعشرين كيلومتر عن جامعة القدس الواقعة في بلدة ابو ديس الى الجنوب، والمسافة ذاتها عن جامعة النجاح الوطنية في مدينة نابلس إلى الشمال. كما ان لسعر مساكنها دور في تشجيع المشترين، حيث يتراوح سعر الوحدة السكنية في “روابي” ما بين خمسة وستين الف الى مئة الف دولار اي بنسبة تنخفض ما بين 25- 40% عن مثيلاتها من المساكن المقامة في المنطقة المحيطة

    وعلى الرغم من هذه الميزات، الا ان “روابي” تثير جدلاً ونقاشاً في الشارع الفلسطيني وفي البلدان   المجاورة. فالبعض يصفها بمدينة “الفلسطينيين الجدد” والبعض الآخر بمستعمرة تتصل أبنيتها ببعضها بدروب للمشاه، وتحتل رابية تطل على القرى الفلسطينية المحيطة، في تشبيه ليس ببعيد عن المستوطنات الاسرائيلية

ومن بين ما تواجهه “روابي” اتّهامات بالتطبيع الاقتصاديّ والسياسيّ مع إسرائيل، وإقامة علاقة تشاركيّة مع جهّات إسرائيليّة، لم تتوقّف حتّى اللحظة، ممّا دفع عدداً من المؤسّسات الداعية لمقاطعة إسرائيل إصدار بيانات ضدّ القائمين على “روابي”. وقد تفاقم الامر حين تبرع “الصندوق القومي اليهودي” بثلاث الاف شجرة للمدينة، الامر الذي عرّض شركة “بيتي” لانتقادات حادة. “لم يكن علينا قبول ذلك، وهذا خطا ونحن نعترف” تعلق منال زريق

اعتراف القائمين على “روابي” بخطأ قبول الأشجار لم يسعفهم من كيل الاتهامات، فمنها ما قيل عن استخدام مهندسين اسرائيليين ونماذج بناء اسرائيلية، وتلك التي تحدثت ان المشروع محاكاة للمستعمرات الاسرائيلية في الضفة الغربية. اضافة الى اتهامات لادارة الشركة المنفذة بالتعاقد مع شركات إسرائيليّة لتوريد الموادّ اللازمة للبناء، وتعيين دوس وايزجلانس مستشار رئيس وزراء إسرائيل الأسبق أرييل شارون، كمستشار قانونيّ وتنظيميّ لها، إضافة إلى مشاركة القائمين عليها في لقاءات ومؤتمرات فلسطينية-اسرائيلية مشتركة

د. سعيد عياد، المحاضر في جامعة بيت لحم هو أحد المشترين الذين يأملون الانتقال قريباً إلى “روابي” يعقب على الاتهامات التي توجه الى هذا المشروع “وصلتني كثير من الاراء المتضاربة والمتباينة من الناس بأن هذه المدينة تقوم على التطبيع، انا لم اهتم لانني مقتنع بأن “روابي” مدينة فلسطينية وبالتالي انا كفلسطيني يجب ان ادعم اي استثمار فلسطيني وطني على ارض فلسطين، خصوصاً ان هذا الاستثمار لبناء بنية تحتية جديدة وبناء مدينة فلسطينية حديثة وعصرية، مدينة تتوافر فيها كل الامكانيات لمستقبل افضل. لذلك قررت أن اقيم في هذه المدينة دون ان استمع لاي شخص مع احترامي لهم ولكنني انا الذي اقرر”

بشار المصري لا ينفي استخدام بعض الشركات الاسرائيلية!  ففي صحيفة “تايمز اوف اسرائيل” قال المصري “أنه على الرغم من أنه لم تشترك شركات إسرائيليه في بناء المدينة، الا ان مئات الموردين الإسرائيليين زودوا المشروع بالمواد الخام مثل الأسمنت والرمل والمحتويات الكهربائية ومعدات السباكة” مشدداً على ان “المبدأ السياسي الوحيد الذي تتبعه “روابي” فيما يتعلق بإسرائيل هو عدم التعاون مع شركات المستوطنات”، الامر الذي تؤكده زريق بقولها ان “هناك اتفاقية يوقعها الموردون، بحيث تقاطع المدينة بضائع المستوطنات

روابي” التي اتت بغالبية مواد بنائها من الموردين والمنتجين الاسرائيليين واجهت ومازالت تواجه العديد من العقبات التي تفرضها السلطات الاسرائيلية. فحوالي 8 % من مساحتها  يقع ضمن المنطقة المصنفة (C) حسب اتفاق اوسلو، والتي تسيطر عليها اسرائيل سيطرة عسكرية ومدنية كاملة.

وقد انتظرت “روابي” منذ اشهر طويلة ربطها بشبكة المياه، بعد ان قطع وزير البنى التحتية الإسرائيلي، سلفان شالوم المياه عنها بذريعة غياب التنسيق مع الجانب الاسرائيلي، حيث ينص الاتفاق المرحلي بين الفلسطينيين والاسرائيليين الذي تم التوصل اليه في عام 1995 على “إقامة لجنة للمياه من الطرفين، من اجل إقرار القضايا المشتركة التي تتعلق بالمياه والمجاري في التجمعات السكانية الفلسطينية والاسرائيلية”. وكانت العديد من المشاريع الفلسطينية في الضفة الغربية قد علقت بسبب عدم مد خطوط المياه، لعدم إنعقاد لقاءات اللجنة الفلسطينية الإسرائيلية المشتركة للمياه في السنين الخمس الماضية.

لم يكن مشروع “روابي” صفقة مربحة في جميع الاحوال، بل خسر المشروع حتى اللحظة حوالي سبعين مليون دولار بسبب معضلة المياه، وكان من المفترض أن يسكن الفلسطينيون في الحي الأول والثاني مع بداية عام 2015، حيث كان يأمل القائمون على المشروع شبك المياه في ايلول 2014

إلا أنه وقبل بضعة اسا وافقت اسرائيل رسميا على السماح بتزويد المدنية بالمياه بعد تعطيلها لمدة عام، إذ أوضح المصري في بيان نشره موقع روابي منذ أيام قليلة :” بعد مسيرة طويلة من الصبر والمعاناة، نزف لكم بشرى الحصول على الموافقات اللازمة من أجل تمديد خط المياه الناقل من المصدر الواقع بالقرب من قرية أم صفا عبر المناطق المصنفة(C) ، ليصل إلى مدينة روابي الواقعة في المناطق المصنفة.(A) ولأننا كنا دائماً على ثقة تامة أن هذا اليوم قادم لا محالة؛ فقد أنهينا مسبقاً تصاميم مسار الخط وإعداد العطاء اللاَزم لتنفيذ أعمال التمديد، مع الشركة الهندسية “أرابتك جردانة”، وربطه مع خزان المياه المغذي للمدينة الذي تم بناؤه من قبل شركة “الأخوة العرب”. وقد تم إحالة عطاء تمديد خط المياه الناقل على شركة “دار البناء” ذات الخبرة في العديد من مشاريع الطرق والبنية التحتية، ومن المتوقع أن يتم انجاز تمديد هذا الخط خلال الأشهر القليلة القادمة”.

أكبر علم فلسطيني في روابي

أكبر علم فلسطيني في روابي

“روابي” ليست الوحيدة التي تعاني من شح المياه، فالقرى المحيطة بها كقرية عطارة هي ايضاً تعاني، خاصة في فصل الصيف، مما يشكل بصيص امل لاهالي القرية بأن يتم حل مشكلتهم اذا ما تم حل مشكلة “روابي” كما يقول احد سكان عطارة. الا ان آخرون يخشون ان تصل المياه الى “روابي” على حساب قريتهم!

وعلى الرغم من كل المعضلات، لا يكف مدير مكتب بشار المصري جاك نصّار عن وصف المدينة بالمشروع الفلسطيني “الرائد وطنيا، ففيها المرافق والمدارس والمسجد والكنائس لمختلف الطوائف، والأشجار على امتداد النظر، إضافة لكون المدينة أسلوباً نضالياً في وجه المحتل الاسرائيلي، وهذا ما يؤكده العلم الفلسطيني الكبير المرفرف فيها قبالة المستوطنة الاسرائيلية”